الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
25
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للاستمرار على الشرك إذا غزاهم المسلمون . و وقع في « تفسير الفخر » أنّه نقل عن ابن عبّاس قال : إنّ رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب : أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام اللّه أو لحاجة أخرى فهل نقتل . فقال علي : لا إنّ اللّه تعالى قال : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ . أي فأمنه حتّى يسمع كلام اللّه ، وهذا لا يعارض ما رأيناه من أنّ الشرط في قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ إلخ ، شرط فرضي فإنّه يقتضي أنّ مقالة هذا الرجل وقعت بعد نزول الآية على أنّ هذا المروي لم أقف عليه . وجيء بلفظ أحد من المشركين دون لفظ مشرك للتنصيص على عموم الجنس ، لأنّ النكرة في سياق الشرط مثلها في سياق النفي - إذا لم تبن على الفتح احتملت إرادة عموم الجنس واحتملت بعض الأفراد ، فكان ذكر أَحَدٌ في سياق الشرط تنصيصا على العموم بمنزلة البناء على الفتح في سياق النفي بلا . و أَحَدٌ أصله « واحد » لأنّ همزته بدل من الواو ويستعمل بمعنى الجزئي من الناس لأنّه واحد ، كما استعمل له « فرد » في اصطلاح العلوم ، فمعنى أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مشرك . وتقديم أَحَدٌ على اسْتَجارَكَ للاهتمام بالمسند إليه ، ليكون أول ما يقرع السمع فيقع المسند بعد ذلك من نفس السامع موقع التمكن . وساغ الابتداء بالنكرة لأنّ المراد النوع ، أو لأنّ الشرط بمنزلة النفي في إفادة العموم ، ولا مانع من دخول حرف الشرط على المبتدأ ، لأن وقوع الخبر فعلا مقنع لحرف الشرط في اقتضائه الجملة الفعلية ، فيعلم أنّ الفاعل مقدّم من تأخير لغرض ما . ولذلك شاع عند النحاة أنّه فاعل بفعل مقدر ، وإنّما هو تقدير اعتبار . ولعلّ المقصود من التنصيص على إفادة العموم ، ومن تقديم أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ على الفعل ، تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان للقائه النبي صلى اللّه عليه وسلم ودخوله بلاد الإسلام مصلحة ، ولو كان أحد من القبائل التي خانت العهد ، لئلّا تحمل خيانتهم المسلمين على أن يخونوهم أو يغدروا بهم فذلك كقوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا [ المائدة : 2 ] ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « ولا تخن من خانك » . والاستجارة : طلب الجوار ، وهو الكون بالقرب ، وقد استعمل مجازا شائعا في